جدال في المضافة فقرة من رواية (شيركيسيا قصة حب و صلوات الغائب):
(يقول ناجه صادق: حسنا، فاسمع أنت الآن. اسمع جيدا. كل الجيش بضباطه وجنوده هو من الشركس الذين يعيشون في تركيا. لن يساعدك العثمانيون إلا من كيسك وعلى حسابك. فهل تسمي هذه مساعدة! يدّعون مساعدتك كي تحارب الروس وترفع العبء عن أكتافهم، فإذا خسرت فخسارتك عليك. وإن ربحت سوف يعودوا ويطالبوك بحقوقهم عليك. وحقوقهم لن تنتهي إلا باحتلالهم للقفقاس. إنهم ليسوا كالروس يواجهونك مواجهة صريحة. إنما يلجأون للف والدوران والتضليل. يريدون تحويل كل شيركيسيا لولاية تركية، وتحويل كل الشعب الشركسي الى أتراك، ولن يرضوا بأقل من ذلك لو ربح الجيش الشركسي في حربه ضد الروس.
كوماتش وهاب: ماذا تريد إذن! أتريد أن يقدموا لك كل شيء على طبق من الفضة؟ أن يقولوا لك تفضل وتناول هذا وتكرم علينا واقبل بمساعداتنا لك، ألا يكفي أنهم يقدمون لك المؤونة والأسلحة والعتاد!!!
وهنا يتدخل بالحديث مسن آخر يبدو من ملامح وجهه الخشن ومن آثار حروق الشمس المتكررة التي تركت ندوبا على أنفه الكبير وعلى وجهه أنه يقضي أوقاتا طويلة في البراري والقفار. وكما يبدو من يديه الخشنتين العريضتين الكبيرتين أنه اعتاد على العمل المضني الشاق. كما يبدو من نظراته الثابتة، وعينيه الصغيرتين اللامعتين المختبئتين تحت أجفان ثقيلة وحواجب عريضة أنه ذو نظرة ثاقبة واقعية في الحياة. كان صامتا طوال الوقت يسمع ولا يضيف شيئا حتى وصل الحديث الى هذه النقطة فقال: حسنا أريد أن أقول شيئا إذا أذنتم لي؟ أنا أرى في هذه الحياة أن من يملك المال يملك كل شيء، ويملك حريته ودولته، ومن لا مال له، لا حرية ولا دولة له. إنّ من يدفع لك ثمن سلاحك وطعامك، يملك قرارا عليك حتى لو كان القرار ضد مصلحتك.
فأضاف أحدهم: ولكن الجيش الذي يحارب هو بكل من فيه يا رجل من الشركس. فكيف سيكون القرار لغيرهم وكل الجيش بجنوده وقادته من الشركس.
يضيف المسن: فمن يطعم هؤلاء الذين يحاربون؟ وإذا نفذت ذخيرتهم فمن سيمنحهم الذخيرة؟ إذا لم يكن من يدفع لهم هو الشعب الشركسي بنفسه فلن يكون قرار هذه الدولة بيدها.
نظر الجميع باتجاه محاربي أفندي منتظرين تعليقا على هذ الرأي الذي شعر الجميع بالعجز عن الرد عليه.)