حكاية آل تشخنوق:
نشرت هذه القصة القصيرة للمرة الأولى - تحت اسم نرين طلعت حاج محمود في مجلة البروز العدد /21/ - ثم في عام 2005 في إيلاف -الحوار المتمدن- أنفاس الشعوب وغيرها.
أحداث القصة تدور في قرية تل سنان الشركسية التي تتبع لمحافظة حماة في سوريا. وهي تلقي الضوء على المعاناة، ومقدار الخسارة الديمغرافية الهائلة التي اصابت سكان القرية عبر أجيال، بسبب الملاريا. كما تطرقت من خلالها لحالة الاغتراب الداخلي التي عاشها ويعيشها معظمنا كشركس جيلا بعد جيل، نتيجة تعرضنا لتربية تحمل الكثير من آلام التهجير، وتمزق الهوية الذي رافقها، والذي اعتقد أن معظمنا لم يتمكن من مواجهته حتى اليوم بعد سبعة أجيال من التهجير، حيث نفتقد تماما لأية مؤسسات فكرية أو سياسية أو دراسات اجتماعية أو نفسية تلقي الضوء على هذه الصراعات التي يعيشها الشركسي بداخله وينقلها لأبنائه بالتربية.
أسلوبي في الكتابة قبل عشرين عاما، كان أقرب للتأمل الأدبي، ولكن عبر تجاربي عبر السنين، تغير هذا الأسلوب الى الأسلوب الواقعي وصار للتأمل مكان ومساحة مخصصة محددة ضمن الأحداث الواقعية.
أتمنى للقارئ المتعة والفائدة...
----------------------------------------------------
حكاية آل تشخنوق
حين يبدأ الظلام بالتفكك، مرخيا رويدا رويدا قبضته الحالكة عن عيوننا، يتضح الضباب الراقد على وجه المستنقعات. وكلما ازداد تسلل النور عبر الظلمات، اتضحت كثافة الضباب المتثاقل في استيقاظه، حتى إذا انبلج الفجر وحرك هذا العالم الساكن النائم ودفع الضباب للصعود والتلاشي، ظهرت الضفاف المقابلة للمستنقعات، حيث تصطف أشجار الصفصاف وبضع أذرع من مساحة خضراء للحشائش ثم مساحات صفراء لا تنتهي.
قُبيل الفجر تتبادل الطيور إشارات صوتية لبدء ترتيلها وصلواتها وإنشادها الصباحي، فتوقظ القرية الممتدة من بيوت الِلبن وسقوف الخشب.
كانت شبه طريق تلك التي تصنعها العربات بصريرها وهي قادمة من السلمية، والتي تصل أول ما تصل لتلة الموت الرهيبة التي تحجب القرية تماما عن القادمين من بعيد، وترتفع كقلعة لأخبار الذين مروا بهذا المكان، وتركوا كلماتهم وأصواتهم وقصصهم ثم صعدوا للأعلى.
بعد التلة تمتد مساحة الأحياء مبتدئة بطاحونة (الجاويش) التي تبارك الحنطة والطحين للناس طوال النهار، وفي الليل تضج بزعيق البوم المنذر بموت آت مع المساء.
تخلو من كل سكن مساحة بقدر بيدر كبير تفصل بين طاحونة (الجاويش)، ودار واسعة مسورة بجدار طيني عالٍ وثخين، وأشجار تفوقه ارتفاعاً وعُلُوّاً.
تلك الدار هي دارُ جدّ أمك الإمام محمد. تقيم معه في تلك الدار زوجته (ناشخوه) الصافية الروح الطيبة الكلمات، وابناه موسى وهو جدك، وأخوه هارون. أما المرأة الصغيرة الخجولة والمدللة عند الجميع فهي (نسه)1 زوج موسى.
وأقامت معهم ردحا طويلا في هذا البيت العجوز (ننج)2، وهي جدة لكل الأحياء في هذا المنزل، وكل أهل القرية ينادونها أيضا (ننج). الغرفة الثالثة بين الغرف المرتفعة على المسطبة العالية هي غرفتها المغلقة على الأسرار والحكايا. وقد بقيت مقفلة بعد موتها وقتاً طويلاً.
بين الخيول الرابضة في الإسطبل سيشغل ناظريك ذاك الحصان الأحمر الودود المبتسم، ذو الصدر العريض والكفل العالي. انه صديق هارون، صديق أسفاره ومغامراته، صديق حكاياه وقصصه، صديق دروبه الطويلة الممتدة بين القرى الشركسية المتباعدة المنقطعة.
هؤلاء الذين عرفت أسماءهم لم يعرفوا اسمك يوماً. علمت بوجودهم في زمن ما ولم يعلموا بوجودك. سمعت أخبارهم ولن يسمعوا أخبارك. هؤلاء هم آباؤك وأمهاتك الأولون. في روحك شيئاً من أرواحهم، وليس في أرواحهم شيئاً من روحك. ترَينهم ولا يروك. تَرِثينهم ولا يرثوك. لم تُعطهم يوما شيئاً. وقد أعطوك كل تاريخهم وماضيهم وهيئوا لك فرصة الحياة.
إذا كبرت غداً أو بعد غد، وعرفت مُتعة السير خارج الطرق المألوفة. واختبرت روعة الثبات وسط الأعاصير والعواصف. وجمال التعري في وجه المطر. وأدركت بُعدَ الكلمة، وعمقَ الكلمة واتساعها، فعساك تذكرينهم يا صغيرتي في أيامك القادمةِ ولو بكلمات.
إنهم آل تشخنوق. العجوز ننج ليست منهم، إنها من (غُوبه قواي)3 لا أحد يعرف على وجه اليقين كم امتدَ بها العمر، فكثيرا ما كانت تحكي عن حوادث حصلت قبل أزمان بعيدة. كانت تتحدث عن أشياء غامضة وعن صبية ذهبت خطفة من (غوبه قواي) الى (نشراز)3، وعن درب اخضر تتخلله السواقي وعن هروب الجميع من (نشراز) الى (غوبه قواي) تحت وقع المدافع. وهي حكت عن سنين خير وسنين جفاف، ففي عام واحد بلغت الأفراس مئة، مئة فرس أصيلة كلهن حوامل ليس فيهن عاقر أو مريضة.
وهي فقّهت هارون بأخبار الأولين. فروت له عن أيامهم وحكاياتهم وأسفارهم وأشعارهم. وغنّت له الأغاني القديمة والمراثي والملاحم والأناشيد. قالت ان هارون أنجب وأجمل من ولدته النساء. وهي حملت على يديها مواليد القرية، كبر أمام عينيها بعضهم، وبعضهم مضوا عن عالمنا قبل أن يدركوا حتى عن أي عالم هم راحلون. قبل ان يدركوا من هم وأبناء من يكونون.
لقد طعنت (ننج) في السن كثيراً حتى اعتزلت في سنيها الأخيرة الناس، فصارت تُروى عنها الحكايا والأخبار الغريبة. وأحيانا كان الناس ينسون أنها تنتمي الى عالمنا الذي نعيش، لقد صار شيء منها ينتمي لعالم آخر.
البعض صاروا يخافونها ويخافون الدار الواسعة ذات السور العالي والأشجار الكبيرة الناطقة في الليل بلغات العفاريت والجان، خصوصا حين يغيب الجميع عن البيت ويبقى الإمام محمد حبيس غرفته الأرضية فتسرح وتطوف روح (ننج) كما يحلو لها في ساحة الدار، فتخاطب الأشياء وتستنطقها. فحتى حجارة دارهم صارت تنطق بلسانٍ شركسي مبين، فيهاب الناس المرور بجانب الدار وخصوصا مساءً، حين يختلط زعيق البوم بالأصوات المنبعثة من ساحة الدار فتقلب موازين العالم وتخلطه بعوالم خفية رهيبة.
الغرفة الأرضية غرفة الإمام محمد، لا يدخلها أحدٌ سواه، محفورة على عمق أربعة أمتار تحت الأرض، مدكوكةُ جدرانها بألواح الخشب المغطاة بالطين المعجون بالقش والمرشوش بالحوارة. لا نوافذ في هذه الغرفة، ثمة باب صغير تتلوه درجات من حجارة كبيرة تنزل الى أرضية الغرفة المفروشة بالسجاجيد وفروات الأكباش الكبيرة. ثمة طاولة عليها صحن صغير فيه مصباح، نادراً ما يستعمله الإمام محمد، فيداه وقدماه حفظت أجزاء الغرفة حتى لم يعد بحاجة الى الضوء فيها. أوقات قليلة تلك التي يخرج بها الإمام من غرفته، وجلَّها يقضيها في المسجد حين يرفع الآذان ويؤم الناس للصلاة، ونادرة بل معدومة تلك الأوقات التي يمنحها لأسرته.
منذ زمن طويل لم ير أحد وجه الإمام، ونسي الناس ملامحه، حتى ناشخوه زوجته نسيت تفاصيل وجهة، وحين رأته مرة بعد سنين، أذهلتها كثرة التجاعيد فيه وأدركت كم صار مسنّا، فغصَّت وأسِفت على روحها ونفسها وجسدها.
قطعة القماش الأبيض لا تفارق وجهه أبداً كي لا يراه الناس وخصوصا النساء، فيساعدهن على ارتكاب الخطايا باستمتاعهن برؤية تقاسيم وجهه البديع، ولقد كان بديعا وجميلا حقا، الجميع يؤكد ذلك، حتى ناشخوه تعرف ذلك جيدا، ولكنها كرهت ذلك الجمال.
انشغلت ناشخوه بكل أمور البيت والأرض والمواشي التي أهملها الإمام، وصار موسى وهارون و (نسه) كل حياتها، هم من يؤكد لها أن الحياة ستبقى في هذه الدار أقوى من الموت.
المرأة الصغيرة السن تلك المدللة على الجميع(نسه) هي جدتك، وستعرف أياماً عصيبة وتواجه برقتها وطراوتها قسوة الموت وتصميمه، سوف تنجب أربعة عشر طفلا فيبتلع الموت ثلاثة عشر روحاً خلقتها يوماً بيومٍ في رحمها، ولن تنجو من براثن الموت سوى أمك.
كل نساء القرية أنجبنَ الأطفال وأسلمن للموت أطفالهنّ، لكن (نسه) كانت أكثر النساء ولادة وحبلا، أنجبت قدر ما تنجبه خمسة نساء مجتمعات، لقد كانت خصوبا كتربة سوداء.
عند كل مغيب كان بوم الطاحونة يبدأ زعيقه ولا يتوقف إلا بعد صلاة العشاء، وفي كل يوم ثمة أجساد تجتاحها الملاريا القادمة من المستنقعات وفي كل مساء يريح الموت أجساد محمومة عطشى. لقد هلك خلقٌ كثيرون من الشركس المهجرين، صغاراً وكباراً من أولئك البؤساء. لا يعرف عددهم إلا الله وحده.
-في كل مساء لا بد لهارون أن يجالس (ننج) قبل نومها. حين يقرع باب غرفتها يُرهف السمع قلبها فتدرك نقرات أصابعه على الخشب فتناديه ادخل يا هارون، ادخل يا صغيري أنا لست نائمة.
صارت (ننج) في أواخر عمرها لا ترغب بمجالسة أحد سوى هارون. حين يجثو هارون أمامها تتلقى رأسه بين يديها تقبل شعره، تقبل جبينه، تتشممه وتمسح على جسده بكفيها حباً وحناناً. تضم رأسه الى ما تبقى في صدرها من عظام، يقبِّلُ كفيها اللتين صارتا صغيرتين مجعدتين قاسيتين كقطعتي لباد فيستنشق يديها، يستنشق حضنها، يستنشق رائحتها التي تغمره بمشاعر دافئة لا يعرف كنهها. لم يكن هارون يغرق في سر تلك الرائحة كثيراً، فكلمات (ننج) سرعان ما تأخذه الى عالمها.
ننج: آه يا هارون الغالي آه يا (شو ماف)5، يا أجمل ما وضعت النساء. آه يا روحي لو تأخذ الآن عيناي يا هارون فترى كم هي جميلة وواسعة أرض أهلي (بغوبه قواي). الثيران القوية والمحاريث الكبيرة وعشرات الرجال كانوا بحاجة لأسابيع لحراثتها، البستان الكبير كنا نمشي فيه منذ الصباح وحتى المساء حتى نوفي أوله بآخره، الآن لم تعد قدماي تقويان على قطع البستان كله يا ولدي بالكاد أصل الى شجرة الجوز الكبيرة، هناك حيث تنعطف ساقية الماء لتملىء الخزان ثم تخرج منه الى الجهة الأخرى، أجلس هناك وقد تقطعت أنفاسي ولم أعد أستطيع السير، فأرى نفسي وحيدة في البستان، ولا أحد معي أبداً، أشعر بالخوف الشديد، أفكر بالعودة لأوله فأخشى ألا أجد أحداً. أفكر بالذهاب لآخره أخشى أن أصادف الغرباء فيأخذوني ويبيعونني في إسطنبول. ولا أجرؤ أن أنادي أو اصرخ فأتشبث بجذع شجرة الجوز وأنا مرتعدة جفلى فيحدث أمر غريب معي يا هارون، يشتعل البرق فوق رأسي وتهتز الأشجار وتقع أرضا وتتكسر من هول الرعود، وحدها شجرة الجوز تهتز وتبقى صامدة، ثم يهطل وابل من مطر أسود يُشوه اخضرار بستان أهلي الجميل. ما معنى هذا يا هارون؟ ولماذا يحدث كل هذا معي؟ لابد أنّ البستان حزين جداً ويمر بأيام كئيبة ويحاول أن يخبرني أنه متألم من شيء ما، أو يعاني من أمر جلل ومريع.
آه كم كبرت وكم أقعدني المرض يا هارون. حين أفكر بهذا العمر الذي مضى شقاء بشقاء أحزن كثيراً على كل شيء، يا ليتها ترى عيناي بستان (غوبه قواي). قالوا سنعود قريباً بعد أن ينتصر فرساننا، يجب أن نعود قبل أن يتلف المحصول، لقد آن أوان الحصاد يا هارون. كم مضى على خروجنا من (غوبه قواي)؟
كان هارون في كل ما تقول لا يقاطعها أو يذكرها أنها الآن في تل سنان على حواف البادية، وبين المستنقعات حتى تتذكر وتدرك ذلك بمفردها.
--------------------
هارون:(سي ننج)6 حين يبدأ الحصاد هذا العام أكون قد أكملت السادسة عشر من عمري.
ننج: آه يا حبيبي وستكمل الدهر كله إن شاء الله، وسوف تصير قويا كبيراً، وستكون المرأة الأجمل في هذا العالم هي المرأة التي لك يا روحي. فليمنحك الله أبناء أصحاء وليجعل كل أيامك سعادة وحبوراً وبشراً وفرحاً، وليبدد الله ظلماتك وليجعل الطريق التي تسير فيها مضيئة، والأرض التي تلمسها تطرح بركة وخيراً، والمكان الذي تقيم فيه ليكن مكان سلام وأمان، ولتكن كل أيامك جميلة كعينيك يا هارون.
ستة عشر ربيعا وكل ربيع وأنت أقوى أسعد وأجمل بعون الله يا نور قلبي يا هارون.
حين أكملت أنا عشرين عاماً من عمري، صارت الأفراس الأصيلة عند (سي تحماته)7 في (نشراز) مئة، والمئة كُنّ كلّهن حوامل، ليس فيهن عاقر أو مريضة. الجياد الأصيلة جيادنا يا هارون، والأفراس المئة أفراسنا، وغداً ستضع الأفراس مهورها والمهور ستحمل أسماء روسية هل هذا عدل يا هارون؟ العجول السمينة ستؤول لهم، ولهم الحظائر والبيت والأرض ومخزن الحبوب وبستان (غوبه قواي).
آه يا روحي القلقة دعي الصبي الغَّر يمضي ونامي.
وكيف تستطيع روح قلقة الاستسلام للنوم أو للموت! أخشى ألا أدفن في (غوبه قواي). لم أعد أعرف متى يكون نهار ومتى يكون ليل.
ننج: حين يعود ابن (فريزات) من الحرب، أخبرني يا ولدي سأذهب إليهم، أريد أن أكلمه وأراه.
هارون: دعيني أُقَبِّلُكِ وأغطيك بيدي (سي ننج) ونامي، وإن عاد ابن (فريزات) سأخبره ان يأتي إليك سيقبّل يديك وسوف ترينه وتكلميه.
-------------------
في الحارة الجنوبية حيث تشرف البيوت على السهل الخلفي للقرية، يسكن الحج زكريا. يخرج هارون كل ليلة من الدار يسير بمحاذاة المستنقع يمر من أمام دار (حجمت) ثم المسجد ثم ينعطف يساراً ويأخذ طريقه للحارة الجنوبية ويصل إلى دار الحج زكريا. الباب الخارجي للدار مفتوح ليل نهار، فلم يعد الحج زكريا يُغلقه كما يفعل كل أهل القرية ليلا مخافة دخول كلب شارد أو مريض، فمنذ سنين طوال لم تعد في هذه الدار روح حية يخاف عليها سواه وكلبه.
ما أن يدخل هارون باحة الدار حتى يأتيه كلب الحج زكريا يتشممه بود و يقوده الى صاحبه الجالس على الأرض يتكئ إحدى جذوع الأشجار، يتبينه هارون في العتمة ويأتيه مصافحا يسأله عن حاله بكلمات لطيفة ثم يدخل الغرفة يضع قالب الجبن الشركسي وأرغفة الخبز، يملأُ مصباح الزيت ويعيده الى مكانه، يرتب ما تستطيع أن تصل إليه يداه، يسأل الحجي إن كان لديه شيء للغسل كي يأخذه الى (ناشخوه)، ثم يُمضيان وقتا غير معلوم و هما جالسان على المصطبة داخل باحة الدار، يغيب خلاله الحج زكريا ويُحلق في هذه العتمة في عوالم بهيجة وأنامله تتنقل على أزرار (البشنة)8 بهدوء و رشاقة وانسياب، ينساق هارون ويحاول اللحاق بعالم زكريا فيعجز، ثم يُعيد المحاولة مرات ومرات وحين ترهق روحه وتستسلم، يجد نفسه يحلق في عوالم بعيدة هادئة صافية، فلا يكون فيها شقاء ولا يكون فيها حزن، ولا يكون فيها خوف، حتى إذا وضع الحج زكريا (البشنة) بين يدي هارون، انتقلت أصابع هارون على أزرارها بانسياب و رقي و عفوية.
ليال طويلة تلك التي جمعت الفتى الغرَّ بالرجل المسن.
قبل مرض الحج زكريا الأخير، أخبر هارون أنَّ هذه (البشنة) كانت لوالده في سابق الأيام، وأنها قَطَعَتْ ككل المُهجَّرين مسافات وبلاد، ومرت بأيام صعبة ونجت من ان تُستبدل بطعام أو شراب. سمعت قصص وأخبار الراحلين والمشردين وروت أخبار آخرين.
(إنها ليست كأي بشنه بهذا العالم، إنها أعز ما لدي في هذه الحياة). وضعها بين يدي هارون وقال: (خذها من توِّك يا هارون، خذها هذه الليلة الى دارك، إنها لك افعل بها ما تشاء).
كانت (البشنة) أكبر من أحلام هارون وابعد من كل أمنياته. أمضى الليل بطوله دون نوم، يشعل المصباح يتأملها، يغتبط حين يراها معه في بيته، لا يكاد يصدق أنها ستصبح رفيقة سكنه. يطفىء المصباح فتصير عتمته نوراً متلألأً من شدة فرحه و بِشرِه. يشعل المصباح ثانية يقرِّبه إليها فيذهله غناها وثراؤها كأنه قبل اليوم ما رآها، يعيد المصباح الى مشجبه المثبت إلى الجدار، يهمَّ بأخذها بين ذراعيه فتضطرب يداه ويهاب لمسها كرجل في لقائه الأول.
----------------
تحرك الضباب المستلقي بكسل على صدر المستنقعات وتشتت في كل الاتجاهات مفسحاً للنور الآتي.
في الجهة المقابلة للصفوف الأمامية من منازل القرية وبعد المستنقعات وبعد المساحات الصفراء المالحة التي لا تمنح زرعا ولا شجرا ولا ظلا، هناك عند أبعد الأمنيات والآمال عند الأفق، تسربت خطوط من أشعة شمس مبتسمة فتسلل الضوء لكل الأكوان المأهولة وغير المأهولة ووصل الى كل زاوية وكل مكان يبارك صنعة الله وعمله.
على أرض الغرفة السفلية المظلمة حيث مدت السجاجيد و فروات الأكباش، ثمة لوحين متقاطعين من خشب الأبنوس الأسود، يستند طرفاهما على الأرض و يستقر فوق الزاوية التي صنعاها بتقاطعهما، قرآن كبير مفتوح أنيق، جميل الزخارف، يجلس أمامه الإمام محمد يمدُّ يده يبسط راحتها ويضعها فوق صفحة القرآن المفتوح ثم يسحبها على عجل، يمسك بخشب الأبنوس الأسود ثم يتركه، يُسند ظهره للجدار و وجهه باتجاه الكعبة الشريفة، سوادٌ وظلامٌ كل ما حوله حتى الباب الخشبي الذي كانت شقوقه تتنفس بعضا من شعاع نور دفع به الإمام الى (حجمت) ليعالجه، حتى تأكد ان غرفته ستبقى سابحة في ظلامٍ دامس مهما ارتفعت الشمسُ واشتدت جرأة النهار.
يتلو الإمام الآيات التي يحفظها صما من ذاكرته و نادراً ان يقرأ من القرآن، أو يتوقف عند عبارة من عباراته، أو يتأمل معنى من معانيه، فكل شيء محفوظ في ذاكرته، و كل موقف تشريعي منسق في عقله تماما مرتبط بآية مُحَدِّدَةٍ له، و لا مجال عنده للتفكير أو للتأمل، و حتى لو توقف عند عبارة من عبارات القرآن فما دامت لا تتعلق بموقف تشريعي معين و ما دامت جديدة عليه، فلن يدرك كلماتها بوضوح، فكل صلته باللغة العربية هي الآيات التي حفظها صما كما حفظ صما معانيها باللغة الشركسية، دون أن يتأكد هل هذه هي حقا معانيها و دون أن يتناقض يوما مع نفسه في معنى واحد قط.
اشتدت الحركة والجلبة في باحة الدار الواسعة، وارتفعت حمحمة الخيول وأصوات اللقالق، ونداء طائر الهدهد، وصياح ديكة المنزل، وصفير السنونو المتسابقة للقفز في أعشاش ترابية صنعتها عند حواف الغرف الخارجية.
كلما اشتدت الحركة والجلبة في باحة الدار، ازداد إيقاع الإمام سرعة وازداد اهتزاز ظهره الى الأمام والوراء كأنه في سباق مع شيء ما يهرب منه للأمام، يَزمُّ أجفان عينيه المغمضتين أكثر وأكثر، وكلما ازداد إيقاعه سرعة ازداد توتره وقلقه فوضع رأسه بين راحتيه ثم اسند ظهره الى الجدار وبدأ يدعو ويتلو بصوت عال.
العمامة على يمينه وقد تعلقت بها قطعة القماش الأبيض. مدّ يده الى جانبه تأكد أنها في موضعها ثم تابع بصوت عال، ثم مدها ثانية ليتأكد أكثر، ثم ثالثة ورابعة ثم زفر، وعاد يدعو الله الرحمة والمغفرة في الدنيا والآخرة ثم بسط راحتيه على وجهه.
كان الشيب قد غزا شعر الإمام الناعم تماما، وخطت عشرات الخطوط الأفقية على جبينه العالي، وتغضنت وجنتاه واصفرتا، وغاب ذاك اللون الأبيض المزهر النقي عن وجهه المهيب، وصارت عيناه الجميلتان الزرقاوان المتألقتان، مخضوضتين كبحيرتين عكرت صفوهما الأعاصير والعواصف والرعود، واصطدمت غيوم سوداء فوقهما، وجرفت اطرافهما السيول، وبكت على ضفافهما الأشجار الحزينة حتى باتتا عصيتين على القراءة أبدا.
قبل ستون عاماً لم يكن محمد الصغير يعرف ما معنى الموت حين كانت الجثث ترفع أمام عينيه، وحين كانت راحة يد (ننج) الطرية تضغط على عينيه الوديعتين لتبعد الموتى عن عالمه البريء. لكن الجثث كانت تأبى أن تبقى حبيسة وراء أصابع (ننج) الباردة المصقعة، كانت أجساد الموتى تعود لتطارده، ومهما استمر السير والرحيل ومهما ابتعدت المقابر الى الوراء فالوراء، طارده ساكنوها.
تلك المرأة الشابة القوية العزيمة التي تتحرك في كل مكان، هي أمان محمد الطفل الوديع. تلك المرأة التي كانتها (ننج) قبل زمن طويل كانت أمانَهُ ودِفئَهُ، تضم يده الى يدها تقتحم الأماكن الجديدة، تشده الى صدرها الغني الكثير العطاء، تُقبِّلُ يديه الطريتين الصغيرتين، ترتب شعره وتَعدُه بعوالم قادمة فضية، وبأيام زهرية، وسرير أزرق، وألبسة حمراء ووردية، وخيول ذهبية، وسماء ضاحكةٌ، فيصير أقوى، ويُصُّر مهما كان بائسا أو متعبا أو حزينا أن يعيش ويعيش ويعيش. لكن تلك المرأة ورغم كل أسوار حمايتها ورغم أمنياتها العطرية الطرية لم تكن قادرة، ولم يكن أيَّ انسان على الأرض قادر ان يمنع الأشباح ان تأتي لياليه، فتوقظه من نومه وتسبح في فضاء من الظلمة أمام عينيه، بعيونها المفتوحة ووجوهها المتجهمة القاسية، وحتى الأطفال المرضى أتوا الى ليله بعد أن ماتوا ليخيفوه.
كبر محمد الصغير، وحين بدأ يشعر ان تلك السنين مضت وانه يسير في طريق الرجولة، حين كانت القرية ما تزال تُشاد من لا شيء، وحين كانت الأرض تنظف عاما بعد عام، وكان الشابان -أخوي والده المتوفي- اللّذان بقيا على قيد الحياة خلال درب الهجرة الطويل يعملان في كل مكان، في بناء البيت في تنظيف الأرض حتى نهض هذا البيت من غرفة طين صغيرة، اشتد ساعد محمد وصار أقوى وصار يخرج للحقول، زوجت (ننج) الشاب الأكبر، زاد عدد أفراد الأسرة بقدوم عروس جديدة، ووصل محمد لقمة شعوره بالأمان. لكن شبح الموت عاد اليه، وصلت أشباح الموت وراء المهَجَّرين بعد كل ما قطعوه من مسافات.
مات الشابان القويان، وماتت زوجة الأخ الكبير. ذلك الوباء اللعين حتى وإن ترك الطيبين لبعض الوقت لكنه لا ينساهم.
بعد وقت طويل تزوج محمد وأنجب البنات والبنين. ماتت فاطمة ومات داوود وحتى عائشة لم تستطع ان تعيش تحت هذه السماء المتجهمة. حين ماتت بلغت تلك السن التي تصبح فيها الفتاة الشركسية ماهرة في التطريز. نادت أمها مساء لماذا أطفئت المصباح أمي. وفي الصباح انتهى كل شيء.
أي مرض هذا الذي يصيب العينين فتنطفئان مساء ثم يموت صاحبهما عند الصباح.
هذه الأرض ملغومة باللعنات، ولا تمنح الأمان ولا تشبه شركيسيا بشيء.
يقول الناس ان الإنسان حين يكبر، تَعودهُ المخاوف التي رافقته في صغره، ومحمد عادت إليه أشباح الموت بشكل جديد، بلون جديد، بطرق جديدة، دون ان تقول له إنها أشباح، فهو لم يعد يصدق خرافة الأشباح الآن، فأصبح خوفه مختلفاً، صار قلقا متوجسا من كل شيْ. يزداد اهتزاز ظهره في التلاوة يوما بعد يوم ويزداد انطفاء عينيه. يمد يده الى خشب الأبنوس كمن يستجير بشيء ما ثم يسحبها، ثمة فكرة توحي له بأنَّ عليه ان يفعل ذلك كي يمنع شرا ما لا يعرف ما هو، ثم ينتابه شعور مُلِحْ ان عليه ان يسحب يده بعد ان صد ّ الشّر المتوهم، ثم ينتابه شعور أكثر إلحاحا من الأول ان عليه ان يعيد يده حيث كانت، ثم شعور أكثر إيلاما يضطره لسحبها. ويكرر حركاته حتى يكاد ينفجر من الضجر من نفسه، يُحمِّل باحة الدار المتحركة سبب آلامه، ينصت جيدا يعتقد ان البعض أتوا الى هنا وهؤلاء البعض سيأتون بالشرور لينالوا منه ومن (ناشخوه) ومن موسى وهارون و(نسه) و(ننج)، يعيد تلاوة الآيات مجددا كي يواجههم بما هو أشد بأسا وقوة منهم.
ثمة أحد ما لا يعرف أين يكون، هل يقيم فيه أو خارجه، هذا الأحد لا يدرك ان محمد الصغير الوديع لا ذنب له في كل ما كان يجري حوله، لا ذنب له في أولئك الذين كانوا يموتون. انه يكرههم نعم يكرههم انهم لم يريحوه ليلة واحدة من ليالي طفولته انه يكره تلك الوجوه الشاحبة المتجمدة يكرههم لأنهم ميتون، فيتمزق شرّ ممزقٍ بين أولئك الطيبين الذين أحبهم فإذا ماتوا أتوا إليه في الليل كي يخيفوه، يتلو الإمام بصوت عال رخيم جميل، يشعر بالسكينة تغمره، يطمئن ان الله سيغفر له كل الذنوب التي اقرَّ بها دون ان يقترفها يوما، فكل الحياة ذنوب. ذنوب أهل القرية ستجلب لهم مزيدا من الملاريا وذنوب آبائه وأمهاته الأولين جلبت لهم التهجير والتشرد والمحن والموت في البلاد البعيدة المجهولة. يزداد تسارعه مرة أخرى يشعر انه مسؤول عن ذنوب أهل القرية يقرر ان يفعل ما يستطيع كي يمنعهم من ارتكاب الذنوب دون ان يعرف بالضبط ما هي تلك الذنوب ، هناك ذنوب و حسب يُقرّ بها على نفسه و على غيره اتقاء للشر و بحثا عن الأمان ، يتسارع في تلاوته أكثر و أكثر و يجد نفسه قد عاد من حيث بدأ لأن تلك الذات التي يهرب منها لم تدرك بعدُ ان من حقه ان يكره من يأتيه ليلا ليخرب أحلامه البنفسجية، و انه لن يحب أولئك الذين يأتوه ليلا ما لم يرفض مجيئهم في غير وقتهم، و لم تدرك تلك الذات بعد ان ارتكاب الخطايا حق من حقوق الإنسان، و ان الكراهية حق من حقوق الإنسان، و ان الحبّ حق من حقوق الإنسان. حقوق لا تنازل عنها، لا مساومة عليها، لا تهاود بها، إن أراد الإنسان ان يبقى إنسانا.
----------------
أشعة شمس الصباح الرقيقة تتراقص على شعر موسى الذهبي وهو مشغول بترتيب العربة الخشبية وحزم الأربطة الجلدية وشدها على بطن الحصان وصدره، العائلة تناولت فطورها ناشخوه جالسة تطوي أرغفة الخبز التي بردت بعد شيها بالنار تضعها فوق بعضها البعض داخل قطعة قماش بيضاء مربعة تثني كل زاويتين متقابلتين تغلق القماش على الخبز وتضعهم في سلة القش.
نسه تحضر طعام الشابين الذاهبين للحقول موسى وهارون.
هارون يودع (البشنة) من بعيد بعيون خجولة تعتذر لها لما لم يحتضنها حتى الآن.
على سور الدار الثخين الحافة ثمة لقلقين يتقافزان برشاقة يحركان اجنحتهما الكبيرة فترتفع أقدامها عن السور ثم يهبطان يرفعان رؤوسهما للأعلى يصدران أصواتا مرتفعة. يتابعهما هارون فيبدوان لعينيه الجميلتين كملاكين سماويين يتراقصان.
---------------------
جاء ذلك الوقت الذي يلي الشفق ويلي الغروب.
حمحم حصان العربة وارتفعت الجلبة أمام بوابة الدار، قفز هارون من العربة وقد صهل حصانها وضرب بقائمتيه كمن همَّ بدفع الباب بصدره فتح هارون الباب الكبير، دخلت العربة يقودها موسى، وفي وقت قصير اقتيد الحصان الى الإسطبل، صُبّ الماء ومُلئَت المعالف بالتبن المخلوط بالشعير. خرجت نسه تحمل آنية كبيرة مغطاة بقماش ابيض الى غرفة (ناشخوه) سأل موسى زوجه أين (نان) ارتبكت (نسه) حين أخبرته انَّ (نان)9 عند الجيران.
انزل هارون دلوا خشبياً وامسك حبله المثبت الى طرف البئر سحب الماء صبه في قدر كبير مرتكز على صخرة مربعة عالية بجانب البئر.
غسل الشابان أيديهما ووجهيهما وشعرهما، تأمل هارون المكان حوله واستنشقه بعمق فانتشى برائحة النعناع التي أثملت الهواء في باحة الدار. حين وصل الى الدرجة الأولى من الدرجات التي تصعد الى المسطبة العالية حيث تقوم الغرف أتاه صوت زعيق البوم عاليا متلاحقا حادا، تذكر ولا يعرف لماذا تذكر الآن فقط ان الحج زكريا أوصاه البارحة ان يصطحب (البشنة) معه، فالحجي عَطِشٌ لأن يسمع شيئا من روح هارون ترتل بصوت (البشنة) لكن هارون وهذا ما لا يعرفه الحج زكريا لم تلمس أصابعه (البشنة) منذ ان صارت في منزله.
بعد العشاء سأل هارون(نسه) أين (نان) ارتبكت وقالت كنت انتظر ان تفرغا من طعامكما كي أخبركما ان الحج زكريا أعطاكم عمره منذ ربما ساعة أو أقل، ونان هنالك عنده في المنزل مع كل نساء ورجال وشباب القرية.
--------------------
في الأيام القديمة التي كان الناس يذهبون فيها لأداء فريضة الحج سيرا على الأقدام أو على الخيول و الجمال اشتدت صداقة الإمام محمد والحج زكريا وهما يقطعان معا المسافات الطويلة التي كثيرا ما غاب خلالها الإمام محمد في الماضي و الذكريات وأحسّ ان تلك الآلام القديمة قد ذهبت الى غير رجعة، و ان الإنسان في يومه الجديد يصبح حقا إنسانا جديدا منقطعا عن كل ماضيه، ليست سطحية و لا بسيطة تلك الأحاسيس التي أسرّاها لبعضهما و ليست بسيطة تلك المشاعر التي عاشاها معا، يوم حلقت روحاهما مبتهجتان و هما جالسان قرب البيت الحرام، وحين جلسا الى قبر النبي و صليا عليه و على آل بيته أجمعين ففاضت الدموع من مآقيهما دون حرج .
زارا قبر الإمام شامل10 فاستعادا تفاصيل المأساة وآلام التهجير، وترحما على كل من سقط في تلك الحروب وذلك التهجير المريع. خاطب الحج زكريا قبر الإمام شامل قائلا: هل تَرانا أيها الإمام شامل؟ هل عرفتنا؟ نحن من الشركس لم نأت من القفقاس بل جئنا من تل سنان. هل سمعت بتلك القرية الواقعة على حدود البوادي والغارقة بالملاريا؟ إنها أماكن لم تسمع بها كل حياتك. أنت نجوت من التهجير وعشت مترفاً متنعماً ممجداً. أما نحن، فإننا حفنة ممن وصلوا أحياء يا إمام. هيا انهض وشاهد مظهرنا، هل يليق هذا المظهر بالفرسان الذين حاربوا قيصر روسيا، هل ما زلت تريد ان تحارب الروس يا إمام. أستغفرك يا الله. ارحمنا يا إلهي وسامحنا وسامح من لا يعلمون ماذا كانوا يفعلونْ11.
كانت صداقة من ذلك النوع الذي ينشأ في السفر الصعب فتشتد النفوس الى بعضها وتتماسك وينزع بها الإنسان حرجه وأقنعته ويصبح أكثر مصداقية وبساطة وتضحية. استمرت الصداقة بينهما بعد عودتهما الى تل سنان وتحولت الى نوع من الإخوة فاهتم الحج زكريا بشؤون بيت الإمام كما يجدر بالأخ الحقيقي ان يفعل في التقاليد الشركسية. لكن الإمام تغير في السنين الأخيرة فصار صعب الطباع يتدخل فيما يعنيه وما لا يعنيه وطلب أكثر من مرة من الحج زكريا ان يكف عن عزف (البشنة) وان ينتهي عن إحياء الأعراس وعن الرقص، لكن الحج زكريا أجابه لولا الرقص ولولا (البشنة) لكنتُ مت قهرا وبؤسا حتى الآن.
أسرة الإمام محمد ظلت وفيَّة لصداقة الحج زكريا فلم يتركوه يوما بعد تدهور صحته في السنة الأخيرة، كانت (ناشخوه) توليه رعايتها دوما وترحب به وتعوده وتطمئن عليه ولم يقطع الصلة معه أيا منهم.
حين علم الإمام محمد ان هارون يعزف على (بشنة) الحج زكريا غضب وأخبر(ناشخوه) ان تقول لهارون بأن الإمام يمنعك من العزف على(البشنة) ويقول لك ان الصلاة انفع لك وأبقى، فأجاب هارون أمه حين أخبرته بأوامر أبيه
(نان) قولي لأبي بأنَّ هارون يقول: أنَّ الإمام يصلي لله الذي يخاف على طريقته وان هارون يصلي لله الذي يُحِب على طريقته هو.
أُعجبت ناشخوه شديد الإعجاب بكلمات هارون، ووجدت فيها شيئا ملهماً، لكنها لم تجرؤ على نقلها للإمام.
------------------
يدور حصان الحيلان المغمض العينين حول البيدر دون ان يخطر ببال هذا المخلوق الطيب انه بعمله هذا يساعد الإنسان بأقدس ما صنعه الإنسان.
بعد العصر صارت الشمس فوق التلة تماما، كانت البيادر الذهبية المباركة تغص بالشبان والرجال. خرجت (ناشخوه) برفقة (نسه). قطعتا مع فتيات ونساء القرية المستنقعات الى الضفة الأخرى حيث افترشن الأرض في حلقات للنساء وحلقات للفتيات، اجتمع الشبان حول حلقات الفتيات محاولين كسر هذا الطوق المغلق الذي صنعته الفتيات حين جلسنَ على شكل دائرة كبيرة فكان مزاح وضحك كثير. فرحت النساء و هن يشاهدن أبناءهن وبناتهن من بعيد يضحكون و يفرحون ، كان هارون من أولئك الشبان الذين حاولوا كسر طوق الفتيات فانتابته في تلك اللحظات رغبة داخلية مُلحة لفعل شيْ ما ، فقام من لحظته ، تحرك بهدوء نحو الدار جثا على ركبته اليمنى أمام (البشنه) الساكنة الهادئة داخل الغلاف الجلدي الذي صنعه خصيصا من أجلها و جعل له أربطة ثلاث تُحكم إغلاقها، مد يده ليفك الرباط الأوسط برقة و تأن كأنّه يخشى على (البشنة) من المفاجأة و الذعر، حل الأربطة باعد طرفي اللباس الجلدي فبان ذلك الجزء الخشبي ذو اللون الأسود اللامع . مرر أطراف أصابعه على زواياها بِدِعةٍ وهدوء وتَوق كأنه يوقظ البشنة كما يوقظ فارس حبيبته التي غفت وهي تنتظر قدومه.
أخرجها من غلافها وضعها على فخذه الأيسر أصلح وضعها مد يده اليمنى في رباطها الجلدي وسحبه على كتفه اليمنى أحسها على صدره فشعر بالامتلاء الداخلي والثقة، لمس براحة يده على المنفاخ الجلدي مرر رؤوس أصابع يده على ثنياته ثنية ثنية. قَبَّلَهَا بعمق ومضى بها الى البيادر كمن يدعو حبيبته للرقص معه أمام كل الناس بفخر واعتزاز وغرور.
لم يكن يوما عاديا عند هارون ولا عند أسرته ولا عند أهل القرية الذين تحلقوا حوله واجتمعوا عند البيادر في احتفال شعبي ارتجالي أطلقوا فيه أرواحهم فحلقت حتى شعروا بالامتلاء الكبير وصار شقاء الأرض في تلك اللحظات مهما كان كبيرا فهو عابر لأن الحياة أقوى من الموت.
------------------
-آه (سي ننج) ....
-آه يا روحي، تبدو اليوم فرحا ومشرقا ومضيئا يا هارون ماذا عندك يا حبيبي؟
-أنا اليوم أسعد انسان ولد في هذا العالم (سي ننج).
-لتكن كل أيامك بشرا وسعادة وفرحا يا حبيبي يا هارون، هل تسعدك (البشنة) يا روحي لهذه الدرجة!
-آه كيف عرفت (ننج) هل وصل صوتها الى هنا.
-وصل الى هنا! وهل لدى (ننج) أذنان تسمعان كي اعرف ان كان صوتها قد وصل الى هنا! انه قلبي يا هارون، قلبي الذي يسمعك، إنها روحي التي تلتصق بروحك ليل نهار فتحزن لما يحزنها، وتفرح بما يفرحها وتعرف مزاجها وأحوالها وأطوارها من بعيد. يا روحي السعيدة بك يا هارون. لا تترك ما يفرحك يا حبيبي أبداً، وابتعد عما يشقيك. هكذا تقول لك (ننج) فاسمع نصيحتها يا بني.
قبَّلت العجوز رأس هارون وشعره وجبينه، فقبل يديها. مسحت على شعر رأسه، على كتفيه، على صدره بيدين تقطران حباً حتى الثمالة. باركته ودعت الله ان تشرق دروبه وتضيء لياليه ويفرح كلَّ أيامه.
-----------------------
-نخب الشباب لهارون12.
-فليعش هارون ولتبقى ناره متأججة وشعلته مضيئة على مر الدهور13.
وهارون هو العصب والوريد الذي يبعث الدماء الدافئة في أوصال هذا الكائن الممزق بين قرى متباعدة منسيّة.
كل البيوت في كل القرى الشركسية هي بيت هارون. (تحماتخر)14 الكبار المسنون يخرجون من حدود قراهم ليلاقوه على الدرب فيصحبوه الى صدور منازلهم.
المكانة الأغلى للشاب الصغير الذي تمسك أصابعه بالأرواح والأفئدة فتنزع عنها آلاماً صلّبَتْها، فتجعلها طرية حلوة كالنسيم.
لأن البذور الطرية وحدها تحيا مهما تداولتها الريح العاتية وفرقتها في كل مكان.
لأن النعناع الطري يصمد بقلب الأعاصير والعواصف حين يتكسر السنديان.
أخْرِجْنَا من ذواتنا يا هارون. أخرجنا من حدودنا من حزننا من عزلتنا من تكبُّرِنا من حُمقنا وحلق بنا. حرك الدماء فينا، وأطلقنا لنستعيد أحلامنا بسماء زهرية، وخيول وعربات مرصعة فضية، وانهار ذهبية، وعشبٌ سماوي اللون، وورد أزرق أزرق.
هارون يا ربَّ المعجزات.
---------------------
-اشتقت إليك (سي ننج).
-عطشت روحي لروحك يا حبيبي.
-في القرى البعيدة المنسية حيث يتحدثون عن (البشنة) كأنها شيء من عالم شركسيّ قديم انهار وتمزق وانتهى، جعلتهم يرونها فيستعيدوها ويعشقوها.
كل الناس يعشقون (سي بشنة أباسريت)15. القرى التي فيها (بشنة) وفيها عازفين، سمعوا بهارون لكنهم لم يذوقوا طعم ألحانه قبلُ. جعلتهم يتذوقون طعم ألحاني فيؤمنون بأنَّ السماء تُمطرا ياسمينا ابيضا وياسمينا فضيا ويا سمينا ورديا وتمطر السماء خبزا ونبيذا أحمرا وتمطر سنابل قمح ذهبية، فآمنوا ان الأرض تصغي لهم وتحسُّ بنبضهم وهي أكرم من ان تتركهم ليتوهوا في العدم والنسيان.
-كل الفتيات سوف يعشقنك يا صغيري فأحذر. المرأة الأجمل في هذا العالم فقط يمكن ان تكون حبيبتك.
كن مغرورا يا هارون، كما لم ينل أحد على هذه الأرض مثل هذا الغرور.
كن أكثر الناس تيها وكِبرا، إعزف كما تعزف آلهة السماء وحين تروي حكايا النارتيين16 فلا ترويها إلا كما تريد أنت وحدك، امسك بيديك بأرواح وقلوب كل الحاضرين، كن وأنت ترويها كما تكون السماء حين تمنح فهي تمنح بشموخ وكرم وكبرياء.
- (سي ننج) ادخل الى البيوت المصابة بالملاريا، أغنى للموتى للحزانى للمتعبين، أتوق لتقبيل أقدام المتألمين. في بيوت الفقراء والمعدمين أتوق لأقبل أياديهم. أغنى لهم اعزف أنا و(سي بشنة أباسريت) فتفرح قلوبهم وامسح على أرواحهم حُبا كما تمسح يدا (ننج) الطيبتين على جسد هارون فيغتبطون، يضحكون أو يبكون ويمسحون عليَّ أغلى ما في عيونهم من أمنيات.
- سيمسحون عليك بالحُب ويطوبوك رسولا لكل زمان لكل انسان بكل مكان.
يا حبيبي يا هارون يا أغلى هدية منحتنيها السماء بعد هذا العمر من الشقاء، حقا لا ييأس انسان من سماء مهما جحدت وأنكرت.
--------------------
حين تُقلِّبُ الشمس أطوارها فتغير أمزجتها وعاداتها، فيصير شعاعها أطول وأميل ليعبث بزوايا البيت التي اعتدناها ومواضع النوافذ ولون الجدران، يصير نورها أكثر شفافية وخجلا ورقة ويعدّل ضَوؤها سور البيت العالي فينزله قليلا، ويدفع الأشجار للارتفاع ويباعد بينها، فتبدو ساحة الدار أكثر لطفا ومرحا ............ يكون الخريف....
الذين عرفوا الحياة واختبروها يدركون ان الحياة تبدأ بالخريف، وتَحبل بالخريف ثمّ تسكن لتصغي للأكوان وتُجِّمع طاقتها في الشتاء، حتى تبلغ الذروة في حبها وبهجتها في الربيع فتضع مواليدها في الصيف.
والفصل الخامس هو ذاك الفصل الذي تعرفه أطراف البوادي، منذ ان يبلغ المواليد أشدهم وحتى يهطل المطر، تمتد مساحة لفصل قاس شديد الجفاف. فصل اليباس الطويل والماء المالح والشمس القاسية المهلكة. فصل النسيان أو الامتحان فإما ان نُرطب ذواتنا ونصمد فنعيش، أو نقسوا ونتكبر فنجف ونموت.
في آخر ليلة من ليالي الفصل الخامس عند أطراف البادية ثمة فارس عالي الكتفين يستوي بظهره المشدود على الحصان الأحمر ذو الصدر العريض والكفل العالي، أمامه (البشنة) مستوية تلتصق به، تلفهما ال (شاكؤه)17 السوداء.
الدروب التي لم يمض بها أحد فتحها هارون بالحب والأمنيات، الدروب التي مشاها البائسون أحياها هارون من بعد موت.
كان الطريق الى تل سنان في أشواطه الأخيرة، وكانت نجوم البادية الغزيرة المتألقة القريبة تمشي فوق رأسه، ولو رفع يده لكاد يلمس ثوبها، حين امتد ستار ابتلع في جوفه النجوم، وهبَّ نسيم يعرفه أهل البوادي، يستنشقوه بعمق تدركه غرائزهم، يفرح به قلبهم وتبتهج أرواحهم العطشى.
النسيم الذي وعد صار ريحا خفيفة رطبة بللت روحه وأخبرته ان المطر سيكون اسبق من حصانه، فترجل واقترب من الكهوف القائمة وراء التلال السبعة خلف القرية. قرَّبَ حصانه من أحدها كي يخبره كما تعود ان يخبره دوما من حمحمته من نبضه من حركات جسده من ضربات قدميه عند اقتراب وحش من وحوش البراري، اطمأن الى خلاء الكهف، دخله سحب الحصان وراءه انزل (البشنة) عن السرج، أجلسها على فخذيه.
ارتجفت الأرض العطشى من لقاء الرعود وأبرقت سماء البوادي، تلك السماء التي إذا نسيت أهملت وأعطشت وشحت وأبكت وأهلكت، فإذا قلبَّت أمزجتها وفَطِنت ندِمت فأعطت وأفاضت وأغرقت فأذهلت.
تحطمت حواجز الغيوم مرة واحدة فمنحت بعد الحرمان الطويل بعشق وجنون. لم يمض بعض وقت حتى صار المطر سيولا جارفة تعبث في التلال الجرداء فتبدل كما شاءت معالمها.
فك هارون أربطة الغلاف الجلدية، بسط راحتا يديه على صدر (البشنة) وعلى المنفاخ كأنه يحاول ان يراها بيديه بطريقة جديدة، عرّاها من لباسها ومرر أصابعه على الأزرار البيضاء الكبيرة الممتدة على المسطرة اليمينية ل(البشنة) ومسحها زرا زرا، عدَّل وضع البشنة ادخل إبهامه الأيمن في الانشوطة القصيرة المثبتة خلف المسطرة اليمينية حيث تتوضع الازرار البيضاء الكبيرة، وتسللت كف يده اليسرى الى الرباط الجلدي الضيق المثبت على الحافة اليسرى مداعبا بأنامله الازرار البيضاء الصغيرة.
عرفت هذه (البشنة أباسريت) في تاريخها عازفين مهرة منذ ان خرجت من بين يدي حرفي شركسي فنان، هاوٍ وعاشق في (غوبه قواي). فاعتنى بكل تفاصيلها الكبيرة والصغيرة. وأعطى لكل جزء فيها من روحه وعشقه. فجعل الازرار الكبيرة اليمينية والصغيرة اليسروية جميعها بيضاء مشرقة مضيئة. وطلى خشبها بأرقى وأحدّ درجات السواد فجعلها لامعة كأنها غُلفت بطبقة من زجاج رقيق. وغرس في سوادها زُخرفا شركسيا أحمراً ينساب بدلال وغنج وتكبر، كانسياب جدول يتماهل ويماطل عندما يحين موعد عطائِهِ للبحر. وجعل على زوايا الثنيات الكثيرة للمنفاخ قطعا حديدية رقيقة مطلية بسواد لامع، لا يبلى مهما امتدت بها السنون وقُلبتْ صفحات وفصول. وجعل كل أربطتها الجلدية سوداء معتمة. ورسم على المنفاخ رسمين لزخرفين شركسيين أحدهما لا يظهر ويكتمل إلا حين تطبق (البشنة) تماما، والآخر لا يكتمل ويتضح إلا حين ترخي أشرعتها لأقصاها.
فخرجت (البشنة أباسريت) من بين يدي الحرفي العاشق بازخة مُتكبّرة مُترفة. ورغم كل ما مرّ عليها من حروب وتهجير ودمار، بقي نُبلها ساكن فيها، وبقيت عزيزة رغم عطشها وسوء اقدراها وإجحاف سمائها. أميرة تحيا في بيوت من طين. وانتظرت ان يناغم البحر اتجاهات الريح بما يوافق نُبلها وقُدراتها وترفها.
كانت تنتظر هارون كي يصغي للعالم فيلتقط نغمها وإحساسها ويدرك قدراتها فيرخي أشرعتها لأقصاها، ويطلق العنان لحصانها الجموح لتمضي بعشق وجنون في طموحها، فبلغ بها هارون ذرى لم تبلغها يوما. فكأن هارون بالنسبة لها، هو أول من عزف عليها.
وهارون ومنذ الأزل وقبل ان يكون هذا العالم عالم، وحين (كانت الدنيا العتيقة بين التماسك والسيولة )18، وروحه تتوق للحظة كشف فريدة، تتوق لتوحِّد العالم، وتقول كلمتها. أصغى طويلاً وبحث عمن تفهم أطواره وتنطق بلغةٍ حروفها صيغت بعمق إحساسه، فكانت هذه (البشنة أباسريت) عرَّاب هارون ولسانه، وكان عرابها. تُحلّق إذا حَلّق وتهبط إذا هبط، تميل إذا ما مال وتبكي إذا حزن وتختال تيها ودلالا إذا اغتبط.
هارون و(البشنة أباسريت) عاشقان، بين البرق والمطر والسيول يختليان.
رقص (الإله شيبلة)19 على أصابع قدميه بألبسته السوداء ورمى سهامه الفضية من الأعالي فتلقتها الغيوم وغرستها على الأرض، فأضاء الكون بلحظة برق خاطف وظهر عند مدخل الكهف، الفارس اللابس قلبقاً عالي و( شاكؤه) سوداء يحتضن (البشنة أباسريت)، ويعزف لحنا فريداً وحَّد العالم، وضم في أسراب أطياره صوت الرعد وحمحمة الحصان وغضب السيول وتمتمة الحجر، و سار بها جميعا نحو حلم أزليٍّ بلحظة كونية تزاوج السماء بالأرض فتسكِنُ الروح بالجسد و تزرع النور في الظلام و تبعث الإنسان من عدم، فصار ليل هارون البهيم نوراً و صارت الطريق التي يسير عليها هارون مضيئة والأرض التي يلمسها تطرح بركة و خيراً و المكان الذي يقيم فيه صار مكان أمان و سلام.
مهما زعقت البوم مساءاً، فإنَّ اللقالق ستستمر بالتقافز صباحا على الأسوار.
----------------------
يا ليتني اشهد يوم اغتباطِ روحك، وبهجة قلبك يا ولدي، لأباركك في تلك الليلة بيداي، ولن يعنيني أن أُدفن بعدها في أي أرض.
-ننج: هل تراقص كل فتيات الحفل يا هارون؟
-هارون: قليلا ما ارقص (سي ننج) لأني مشغول دوما بالعزف.
-ننج: اعرِ (البشنة) لأحد العازفين وأرقص مع أجمل الفتيات، أرقص على أصابع قدميك باعتزاز وفخر وخيلاء.
-هارون: من لديه (بشنة) فليعزف عليها، أما أنا فلا أعير (سي بشنه أباسريت) لأحد، ولا أقبل أن يلمسها أحد.
-ننج: صه، أعرها فقط للعازفين البارعين، لبعض الوقت كي ترقص.
-هارون: لا يروقها سواي.
--------------------
هارون: (سي ننج) كنت أمشي في سهل أصفر شوكيّ يابس مثل سهول قريتنا، وكنت ألبس لباسي الشركسي الكامل، حين انتبهت بأن الجيوب الطولية عند صدر سترتي تلك التي يوضع فيها الرصاص لم تعد موجودة، وصار بدلا عنها زخرفا شركسيا راقياً متمايلاً لطيفاً، ثم انتبهت أني لا أعلق القامة على خصري. وكنت أمشي وأنا أتأمل هذا الاصفرار واليباس، حين بدأت أركض وأركض، ثم صِرتُ أطير في السماء، عندها انتبهت بأني طائرٌ أبيض كبير ممتد الجناحين ببذخ، رائع الريش ناعمه، وأني وأنا طائر أعرف جيداً بأني أنا هارون. ثم ظهرت في الأفق جوارح، صقور ونسور وغربان لم أخف منها. لم أتحداها، لكني أيضا لم أغير اتجاهي، فتلاشت كل الصقور والغربان والجوارح من تلقاء نفسها. و صارت الأرض تحتي قمم بيضاء ثم سهول خضراء واسعة وغابات وانهار وجداول تلمع بنور الشمس، كما وصفت لي الوطن الأم (سي ننج) و عرفت بستان أهلك في (غوبه قواي)، ورأيت شجرة الجوز و ساقية الماء و خزاناً مبني بإتقان من حجر أسود، و رأيت سور البستان أسود كبير يحيطه من كل طرف، و من هناك رأيت مئة فرس أصيلة في (نشراز)، عرفت في حلمي أنهنّ جميعا عشيقات جوادي الأحمر، ثم نزلت إلى الأرض فوجدت ذئباً كبيراً جميلاً و مهيباً يجلس على الأرض، محاولا لعق ذراعه اليسرى التي انكشط الجلد عن جزء منها بحرق، فاسودَّ مكانها، و سالت الدماء غزيرة من حولها. اقتربت منه وجلست قبالته فلم ينتبه لي، كان مشغولاً عني تماماً بألمه، فتمزق قلبي حزنا عليه واعتصر الألم في نفسي وروحي من أجله، مددت يدي أحاول التخفيف عنه أو أحاول معالجة جرحه وألمه فانقضّ وهجم بأنيابه عليّ فجرح يدي اليسرى، وسالت الدماء منها غزيرة غزيرة. فتركته ومضيت أحاول الطيران ثانية فلا أستطيع، حزنت أيما حزن، ثم لعقت الجرح مرات ومرات كما تفعل الذئاب بجراحها، وصرت اركض هنا وهناك بجهد وألم، أتعب وأبكي وأقعي وأقف، حتى ارتفعت عن الأرض وعدت طائراً أبيضاً بجناحين كبيرين، فامتلكت كل السماء وكل الأفق، وسهول خضراء تجري من تحتي على مد النظر.
ما تأويلُ ما رأيتُ في حلمي (سي ننج)؟
ننج: لتكن كل أحلامك جميلة لطيفة كعينيك، كموسيقاك يا ضوء قلبي.
تأويل ما رأيت يا حبيبي أنّ الحبَّ أنبلُ الفرسان، وأجمل الفرسان، وأروع الفرسان. وأن (البشنة) والموسيقى والإلهام والروح الطلقة الحرة، هي فروسية القادم من الأيام.
فأما الذئب يا ولدي فلا تلوي عليه أبداً اتركه وامض في طريقك، ولا تشعر بالذنب حياله فإنك لن تستطيع أن تساعد من لا يساعدون أنفسهم يا ولدي، امضي وساعد أولئك الذين هم بحاجة إليك ويطلبون منك أن تساعدهم، فإنك جاعل صحراءهم وجفافهم سهل فسيح أخضر، وجاعل مستنقعاتهم انهاراً رقراقة غنية. ولن تخذلك (البشنة أباسريت) خاصتك أبداً يا ولدي. فلا تيأس من سماء مهما بلغ بها الجحود والاستعلاء والإنكار. حاول التحليق ما استطعت وسوف تعود فتحلق بعد ألم وعجز وسوف تنهض من ألمك قويا وسيصير الأفق والسماء لك والأرض.
أما أفراس (نشراز) المئة عشيقات جوادك الأحمر، وأما بستان (غوبه قواي) المسّور، فهي رزق آبائك وأمهاتك الأولين. سيعود إليك رزقك، وسوف ترث أجدادك بعد حين، بالحبّ والحكمة والعمل والأبناء الصالحين، سترثهم بدون سلاح ولا قوة. لأنهم خسروا رزقهم بالقوة والتكبر فبالحبّ والحكمة سوف تعيده بنفسك إليك.
ضمت (ننج) هارون بقوة وشدة الى عظام صدرها الرقيقة الحنونة حتى لمعت مقلتاها وهي تقول: اجعل يا ربي أبناءنا يرثوننا ولا نرثهم. آمين يا أرحم الراحمين.
---------------------
(قالوا إنا تطيرنا بكم لئِن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم)20
عبق الريحان الصغير الخجول فاختلطت رائحته برائحة النعناع، ولعب النسيم والضوء بأغصان السروة، وطاردا ظلها على سور الدار، فتراقص شعر هارون بين الضوء والظل وهو جالس في باحة الدار على جذع سنديان قديم.
هارون والبشة أباسريت عاشقان بين الضوء والظل يتناجيان.
-في الغرفة الصغيرة الكائنة بعد المسطبة، كانت (نسه) تعجن ال(باستا)21 و(ناشخوه) تقول لها: اجعلي وجه ال (باستا) جميلا يا ابنتي كي تكون من نصيب هارون فتاة جميلة.
----------------------
ألن تترك هذا الكفر يا جبان؟
سمعت المرأتان صوت الإمام محمد هادرا غاضبا نزقا فارتمتا عند باب الغرفة الصغيرة، وتبع صوته صوت خرطشة بندقية حادة مقيتة تعلن ان لا تراجع بعد الآن، سقطت (ناشخوه) على الأرض حين ذابت وتحللت قدماها تماما حتى لم تعودا لها، أما (نسه) التي كانت تقف وتتسمر باحترام وصمت إذا صادفت الإمام في أي مكان، فقد نزعت عنها التقاليد والعادات في تلك اللحظة، ورمت بنفسها عليه تحاول دفعه عن مرمى هدفه، فهزت ذراعه اليسرى.
انبعث موسى في الباحة فجأة وقفز باتجاه هارون محاولا طرحه أرضا وإبعاده عن مرمى الإمام.
لكن الطلقة كانت أسرع منهم جميعا، لأن العدوان نزق وغضوب وكريه وأسرع من الإنسان.
لم تجرؤ (نسه) على رفع رأسها لم تجرؤ أن تسأل نفسها أيّ الشابين تراه قد ........؟
كان زمنا لا يعرف سوى الله وحده كيف يقاس. اعتقدت نسه انها رأت في يوم ما موسى، ثم راقصته، أرسلت له المراسيل، أخبرها انه يحبها، خطفت معه ولبست ثياب عرس مطرزة مزخرفة جديدة وكانت ليلة أولى ثم تلتها ليال وليال.....
رفعت (نسه) رأسها وفتحت عيناها فرأت الشابين واقفين على اقدامهما ودماء حمراء تنبع بغزارة حتى غطت ثياب هارون وال (بشنة) وأيدي موسى دون أن تعرف أيهما الجريح، لكنهما واقفان على اقدامهما حييان يرزقان، فلا ييأس انسان قطّ من سماء مهما أنكرت وجحدت وتكبرت.
كان هارون ينتصب مذهولا مأخوذا تماما بالشيخ الواقف قبالته في طرف الساحة الأخرى بلباسه الأبيض وشكله المهيب ويتساءل هل حقا هذا الشيخ أبي، لأول مرة منذ سنين طوال رأت العائلة وجه الإمام محمد دون قناع الوجه الأبيض.
لا يعلم إلا الله وحده كم من الوقت مضى والإمام وهارون متواجهين. رأى هارون بهذا الرجل ذات عينيه، بلونيهما بحجريهما بماضيهما، مختلفتين بأحلامهما. عينان هادئتان كبحيرتين صافيتين يسكنهما منذ الأزل بجعان مسالمان وديعان راقيان. ورأى في عيني أبيه بحيرتين غاضبتين رمت فيهما الريح مطراً أسود من قار سميك وأشعلت فيهما الشياطين غضباً وألماً وبؤساً. فأحسَّ بتمزق مرٍّ في قلبه وفي حلقه.
رمى الإمام محمد البندقية من يده وخبأ عينيه المتألمتين ومضى. كانت ننج تبكي عند باب غرفتها دون ان تعرف هل كان نهار أم كان ليل، تضرب رأسها والغطاء الأبيض منزلق عنها تبتهل وتنادي ارحمنا يا ألهى وأرئف بنا، أجعله يبكي موتي ولا أبكيه يا رحيم.
------------------
أن تلمس الأشياء فلا تشعر بنوع ملمسها. أن تستنشق الهواء فلا تدرك له رائحة. أن يصير كل طعم عندك كأنه الزجاج. أن يغلف العالم من حولك ستار شاف فتراه دون أن تحس به. تعيش فيه لكنك لا تعيشه. كأنك في قلب الحياة دون أن تكون جزءاً منها.
هذه الحالة كانت تعتري الإمام محمد في الماضي على فترات زمنية متقطعة متباعدة، ترتبط في قدومها بالأشباح والصور المؤلمة التي اعتادت اجتياحه، لكنه كان قادراً على تجاوزها دوماً والمضي الى الأمام فالأمام. لكنه هذه الأيام يبدو بأنه لم يعد قادرا على تجاوزها، بعد أن أتته على كبر بحيل مختلفة، توهمه بأنه يريد الغفران لنفسه وللآخرين.
في كل انسان فينا أسئلة طفولية، حادة وعميقة، ولابد من مواجهتها والإجابة عليها مهما قَلّبْنَا في بحثنا عنها من معتقداتنا وأفكارنا وأساليب حياتنا، والإجابات الفاضلة هي التي تحقق توازناً داخلياً عميقاً ورضى عن النفس واطمئنان صادق.
من النادر ان تتاح لإنسان من الإمكانيات والظروف الاجتماعية والتربوية والقدرات الشخصية للإجابة عن كل تلك الأسئلة، فإذا أُتيحت صار هذا الإنسان حراً طلقاً كسهوب لا تنتهي، وصار محلقا كطير في أعلى سماء، قادرا على التفكير في كل شيء والخوض في كل شيء وتقبُّل كل شيء.
أولئك قلة ونادرون، انهم قديسون أو عباقرة أو مُبدعون، هؤلاء الأثرياء الحقيقيون، أثرياء بأنفسهم، قادرين على معرفة معنى حياتهم والإحساس بها دون أن يبنوا أبراجا عالية، دون ان يدَّعوا، دون ان يتحدثوا.
ومن أولئك كان هارون.....
أما من لم يحاولوا الإجابة عن تلك الأسئلة فإن مخاوف الطفولة ومشاعرها سوف تعود إليهم لتخنقهم، وتمنعهم من النمو والكبر، ومن هؤلاء معظم البشر وبدرجات متفاوتة، بقدر إجاباتهم تتاح لهم فرصة الخروج من ألبسة الطفولة ومن حواجز أنفسهم وقيودها وأمراضها.
الطفل محمد الصغير كان حاد الذكاء مرهف المشاعر عميق الإحساس بكل ما حوله، متشابك تشابكا شعوريا بهذه الحياة، فكانت أسئلة طفولته شديدة الإلحاح، جارحة، حادة، ذكية.
لأن غريزة البقاء أقوى غرائز الإنسان فقد كان الهدف الأساسي عند أولئك المنهكين من المهجرين الشركس أن يعيشوا بأي ثمن، وكان على الطفل الصغير أن يعيش ويعيش و يعيش دون ان يقف مرة ويتأمل حوله، دون أن يتوه في الطريق التي تمر على جانبيه، دون ان يجالس لمرة واحدة ذلك الكائن الصغير المسكين الساكن فيه فيصغي لأسئلته وآلامه، ان يتقبله ويحبه كما هو، وأن يحتويه.
أسئلة محمد الصغير ذكية عميقة مُبكية مُريعة، والحياة لم تكن تحتمل الصمت أبدا، لأن عليهم ان يبقوا على قيد الحياة ويخلقوا نسلا يحدثوه بلغتهم عما رأوه بأم أعينهم كي يكون شاهدا على هذه الحياة، كي لا يُنسى أولئك الذين ماتوا منهم وأمامهم أفواجا في عتمة العدم والنسيان.
وكلما كبر محمد كان الطفل السجين في أعماقه، يزداد صراخا ويبكي ذعرا، وهو وحيد في الظلام. حيث لا امام ولا وراء ولا فوق ولا تحت ولا أحد...... ولا أحد.
(ناشخوه) ورغم رقتها ولطفها وطراوتها وذكائها لم تخترق عالم الإمام محمد؟
حين كانت سنين الولادة والإرضاع والفقد والموت، كانت أسيرة لتلك الحلقة بين الحياة والموت لأولئك الذين تخلقهم في رحمها ثم تسلمهم للموت القاسي. حين كبر الشابان موسى وهارون ونجيا من الموت وصار بإمكانها الاهتمام بالإمام كان عالمه قد تصلب وتحجر حتى استحال عليها اكتشافه.
كان يلعب لعبة ذاتية داخلية خطرة، تلعبها يوميا ملايين البشر دون ان يدركوا انهم يمارسون لعبة واهمة كي يخلقوا توازنا هشا مريضا غير صادق ولا مبدع.
واقع الطفل كان مؤلما وصراخه عالٍ وللهروب مما لا يمكن مواجهته ارتد الإمام عن هذا الواقع. كان من الممكن ان يرتد بأي طريقة أخرى أكثر تفاعلا مع المحيط بحيث لا يشعر بآلامه أحد، لكنها هذه هي الطريق التي وجدها أمامه فمشي بها، صار الستار يسدل لفترات أطول وأطول حتى صار الستار ملازما للحياة كلها، فوحد نفسه به فأسدل على وجهه ستارا وعاش في الظلام واقنع نفسه انه يقوم بكل ذلك تعبدا وخشية وخوفا من الله، وهو إنما يقوم بكل ذلك خشية وخوفا من صراخ الطفل الذي ما زال يسكنه.
صوت (البشنة) وربما لأنها ترتبط بطفولته كانت الأكثر اختراقا لعالمه الواهم، كانت تضعه في الواقع و تجبره على الوقوف في وجه الطفل الصغير الذي يخاف بكاءه، فلعب على نفسه و خادع نفسه بأن أقنعها ان (البشنة) كفر و انشغال عن عبادة الله.
حين كان هارون يغيب مع صوتها حتى تُآلف نبضه بنبض الأرض فتشرب روحه لون أوراق الشجر، و تنتشر في موجودات الكون الواسع ، و تُحلق بسماء وردية، فتُسبّح عظَمَة الخالق و بدعة فنِّه و احترافه لصنعته، كان الإمام يزداد توترا و جنونا و حنقا من هذا الشيء الذي يطارده.
لم يشعر الإمام كيف حدث ذلك ، سمع صوتا قويا يقول (ألن توقف هذا الكفر يا جبان ) لم يدرك هل هذا الصوت آت من خارجه كي يهدده هو، أم انه خارج من جوفه كي يهدد به الطفل الصغير الباكي بداخله. حين أدرك انه صوته هو، أمسكت به فكرة واحدة ان هذه ال(بشنة) كفر و إغضاب لله و ان أي عمل مهما كان شنيعا و متعارضا مع صدق إحساس الإنسان و نُبله، ما دام إرضاء لله فهو صالح ، فضغط على الزناد كي يردي ولده قتيلا من أجل مرضاة الله كما تصور، و هو إنما كان يقتل الطفل الساكن فيه كي يريح نفسه من صراخه و بكاءه.
تمزق شر ممزق حتى صار أشلاء انسان، يتساءل في نفسه هل خُلق كي يتمزق الإنسان دون ان يجرؤ على الإجابة عن سؤاله. لماذا لا يتحدى ذاته و يحاول الإجابة بصدق عن اسئلته، و يؤمن بأن الصدق هي فضيلة الفضائل و ليكن بعدها ما يكون ؟؟؟؟؟؟
جلس يبكي في وحدته بمرارة و ألم، ثم يتوقف ليتذكر هل جرى ذلك حقا أم كان مجرد وهم؟ يتمنى ان يخرج من ظلمته و يُقَبِّل أقدام هارون و يمسح عنه دماءه لكنه لم يكن يستطيع فعل ذلك و الانتصار على نفسه، لأنه لا يستطيع الانتصار سوى أولئك القادرون على طلب العون و المساندة من سواهم ، القادرون على فتح صدورهم و التعري أمام سواهم.
-------------------
-أيرمي عليك أبوك بالنار كي يقتلك وأنت بعض من عينيه ومن روحه. فلما أخطأك أصاب يدك اليسرى و أحرق لحمه بيديه، وتدفقت الدماء من إصبعك غزيرة وعجنت بالتربة المالحة المُرّة البيضاء. وهذه الدماء هي بعضٌ من دمائه، وهذا اللحم هو بعضٌ من كبده ومن قلبه.
فهل أوعدته السماء بكبش لافتدائك أم سخرت منه الملائكة ولعنته آلهة السماء.
ومأساة الإمام محمد أنها مازالت تكبر في داخله المأساة.
فلا يرتكبن هذا الحُمق والعدوان إلا المتألمين.
-هارون: سأمضي، ليس لأني أكرهه (سي ننج). لا أعرف كيف يكون الناس متكارهين. ليس لأني أريد انتقاما، فلا معنى عندي لأن يرغب بالانتقام المتضررون والخاسرون.
أُقبِّلُ أقدام قاتلي رحمة وشفقة ولا أكرهه ولا أغضب عليه.
-ننج: دعه يصلي لمخاوفه في الظلام وصلّي أنت لمن تحب.
- هارون: أأصلي (ننج)!!! وهل من بعد عجزي صلاة.
-ننج: ستعزف ثانية يا ولدي. لن تخذلك (البشنة) أبدا. ستعزف دون إصبعك، سوف تعود لتحلق وتطير.
لم تكن أول مرة يبكي بها هارون فقد بكى مرات كثيرة، مرات بكى فرحا. ومرات بكى غبطة وحبورا. ومرات بكى ألما.
حين ماتت تلك الصغيرة التي سماها بنفسه (كات) ولم يكن قد انقضى من عامها الأول بضعة أيام، كانت أول عنقود (نسه) وموسى وفرحة قلبيهما، بكى هارون على أحضان البشنة، بكى بمرارة تلك التي كانت تملأ حضنه، تمسك حاجب عينه وتعبث بياقته وتعبث بأذنيه وتعبث بأصابع يديه وبوجه كفه وتحاول ان تغني (آب زو زو - آب زو زو)22.
بكاها كما لم يبك يوما أحد على أحد.
واليوم ستبكي يا هارون بكاء مرّا مفجعا وكما لم يبك أحد على أحد.
كان الحنظل المر ممسكا برئتيه و ذقنه، و القندريس البرِّي الذي جاءه صيف وجفاف و يباس فصار شوكه كبيرا و جف لبه فصار مرا، ممسكا بحلقه تماما و غاصَّا بروحه فحجز البكاء و منعه أن يأتي منه إليه.
حين لمس بيده اليمنى مكان تمزق واحتراق البشنة، و يده اليسرى مضمدة بالقماش الأبيض اندفع البكاء غزيرا كما تندفع من الوريد الحي الدماء كالنبض دفقات دفقات. لمس الاحتراق بأصابعه و مسح دماءه التي تجففت عليها و حين احتضنها و رفع وجهه لله صار بكاؤه مفجعا مؤلما.
فكان جرحه و دماؤه فيها وكان احتراقها في يديه.
-ننج: ستعزف يا ولدي كما لم يعزف في كل شيركيسيا احد ، كما لم يعزف على وجه الأرض احد، لأنك عشت ألما لم يعشه قبلك احد و لأنك ذقت مرارا و جحودا و قسوة كما لم يذق قبلك احد، و خرجت من كل آلامك و عذابات روحك نظيفا نقيا لطيفا رائقا، كأنك نسيم بليلة صيف و رميت ثأرك و نارك و خرجت من مرار الجحود و النكران و الشحّ و الظلم ثريا غنيا شهيا مُخصبا......
ستعزف يا ولدي كما لم يعزف على الأرض احد و سوف تطوبك البشر رسولا لكل انسان، وسوف يطوبك العازفون أميرا على الفرسان.
-------------------
باحة الدار تضج بالحركة و الجلبة، عند الباب وقف (شماتيل) مغطيا أنفه بيده، هذا الأنف الذي لا يكاد يشفى خلال الشتاء القصير فإذا جاء ربيع البوادي بشمسه احترقت جلدته و بان دمه و صار لينا مؤلما نازفا. جلست نساء عند جذع السنديان يُشرنَ الى شيء ما على الأرض ، فتيات تجمعن بين الأشجار و رجال مسنون يسألون موسى و يجادلون و ثمة رجال و نساء في غرفة ناشخوه صامتون، و ثمة امرأة تجفف دمعها. البعض قالوا ان هارون ذهب الى شيركيسيا الى (غوبه قواي) كي يصلح البشنة، حيث لا يوجد مع يستطيع إصلاحها في العالم الا الحرفيين في أرض شيركيسيا. آخرون قالوا و كيف سيصلح إصبعه الذي فقده. وآخرون يقولون ان البشنة رغم أذيتها لكن ذلك لم يؤثر على صوتها و البعض قالوا ان الروس لا يمكن ان يسمحوا لشركسي بدخول شيركيسيا فكيف سيصلح البشنة في غوبه قواي.
أوقفت (نسه) موسى الذي قضى ليلته بصحبة أخيه يتَسَاران ويتحدثان، و سألته و عيناها محمرتان منتفختان باكيتان ألن يعود هارون؟ إنه يعرف أني سأضع مولودي قبل ان يأتي الصيف. لقد وعدني ان يكون أول من يدندن نغما شركسيا حنونا في أُذُني مولودي الصغيرتين الطريتين النظيفين.
ابتسم موسى ابتسامته الوديعة الهادئة وضحكت عيناه المسالمتان الصادقتان الفواحتان الناطقتان، و وضع كف يده اليمنى على خد( نسه( و هو يقول أعدك حبيبتي أعدك،........ سيعود هارون قبل الصيف .
------------------------
الهوامش:
1- نسه –تعني العروس و تخاطب الكنة بهذا اللقب من قبل عائلة زوجها مهما مضى على زواجها.
2- ننج –الجدة.
3-غوبه قواي قرية في شيركيسيا في القفقاس الشمالي.
4-نشراز-قرية في شيركيسيا في القفقاس الشمالي، كما تُسمى قرية تل سنان التابعة لمحافظة حماه في سوريا بهذا الاسم.
5-شو ماف –الفارس الذهبي .
6-سي ننج –جدتي.
7- تحماته – والد الزوج .
8-البشنة –اسم آلة الأكورديون باللغة الشركسية ، و هي الآلة الموسيقية الأكثر شعبية لدى الشركس.
9-نان- الأم .
10- دُفن الإمام شامل في جنة الباكر في المدينة المنورة، حتى أُزيل قبره في عهد السعوديين الوهابيين.
11- (سامحهم يا إلهي لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون). العهد الجديد - انجيل متى. وهو نداء السيد المسيح وهو على الصليب مسامحا مع صلبوه.
12-13 ( أساطير النارت الشركسية ) .
14-تحماتخر – المسنون و الموقرون و الكبار .
15 بشنة أباسريت - أكورديون شركسي تراثي عريق، يتميز بصفين شاقوليين من الأزرار الدائرية تمثل سلم الأصوات، ويصنع يدويا في شيركيسيا.
16-ملاحم النارت - مجموعة الملاحم و الأساطير التي تمثل القصص الشعبي لدى الشركس، و أبطال ملاحم النارت هم الأسلاف القدماء للشركس .
17- شاكؤه-نوع من العباءة الشركسية .
18-(حين كانت الدنيا العتيقة بين التماسك و السيولة ) أساطير النارتيين – من قصيدة " كلمات ساوسروقه" قصيدة يغنيها سوسروقه.
19- شيبلة إله البرق في الميثولوجيا الشركسية.
20-- قرآن كريم سورة يس.
21-باستا-نوع من الطعام الشركسي.
22-آب زو زو لعبة يغنج بها الأطفال.
_________________________________________________________